تركي الدخيل - مقابلة هامة، واستفزاز إماراتي غير مرتب.

مقابلة هامة، واستفزاز إماراتي غير مرتب.

 

أهمية هذه الحلقة لا تعود إلى مضمونها فحسب، بل إلى جملة من الاعتبارات المتداخلة: مسيرة تركي الدخيل الطويلة في الإعلام، علاقته ببن سلمان وبالديوان، توقيت الحلقة، حضور بن سلمان في خلفية المشهد، السياق السياسي والإعلامي للحلقة، فالتوتر مع الإمارات، وانقطاع تركي الذي يشعر به البعض والذي عارضه، وما يبدو إبعادا له، فهو لم يعد سفيرً، وانتهت علاقته بالمنصب، وأيضًا بقناة العربية، وتخرج اتهامات فساد علّق عليها سابقًا ببيان منشور في صفحته، وعلّق عليها في هذه الحلقة.

 

وهو الذي تشير تقارير إلا أنه كان أمين أحد أسرار بن سلمان الهامة، فنيويورك تايمز — كما نقلت مجلة TIME — قالت أن عناصر من الاستخبارات الأميركية استخلصت من محاضر اعتراضات اتصالات تعود إلى عام 2017 أن ولي العهد السعودي قال لتركي الدخيل إن جمال خاشقجي سيذهب "برصاصة" إذا لم يتوقف عن نقد النظام أو لم يُعاد قسرًا.

(المصدر:

https://time.com/5524783/saudi-arabia-jamal-khashoggi-bullet/)

هذا الاتهام أنكره تركي الدخيل لاحقًا، وورد نفيه في تقارير صحفية، من بينها تقرير Daily Sabah عند تعيينه سفيرًا للسعودية في الإمارات.

(المصدر:

https://www.dailysabah.com/mideast/2019/02/11/saudi-aide-named-in-khashoggi-murder-report-sworn-in-as-uae-envoy)

 

كما أن تركي الدخيل هو الصحفي الذي اختير ليُجري أول مقابلة تلفزيونية عربية مع محمد بن سلمان، وهي مقابلة مهمة للاثنين معًا، وفيها دلالات تقارب و "موانة" مثلا اللقطة الشهيرة حين قال له محمد بن سلمان:

"لا تخلّيني أعلّم إيش عندك يا تركي" https://www.youtube.com/watch?v=nkfxxagFKHg في إشارة فُهمت على أنها تشير لثروة طائلة أو اتهام بفساد.


 

وتزداد أهمية الحلقة بسبب الإشكال القائم بين السعودية والإمارات، وبسبب علاقة تركي الدخيل بالعائلة الحاكمة، فهو ابن خالة متعب بن عبدالله بن عبدالعزيز (المغضوب عليه حاليًا)، وأيضًا بسبب مركز المسبار وما يُفترض من علاقته بالإمارات.

 

كل هذه الاعتبارات جعلت كثيرًا من الناس متحمسين لمتابعة اللقاء،

كل هذه الوقائع جعلت الحلقة مهمة.

 

تركي الدخيل… والهجرة الصامتة:

تركي الدخيل أصبح — تقريبًا — جارًا في لندن، وربما بجواز وتمويل إماراتي التحق بما يمكن تسميته بالمهاجرين الجدد.

مهاجرون ولكن ليسوا كمن سبقهم، مجموعات من الإصلاحيين يحاولون طرح رؤاهم الإصلاحية بحرية، أو مجموعات من الغاضبين يرغبون في تفريغ غضبهم بأمان، بل انضم إليهم عدد من الخائفين؛ خائفين على أنفسهم، أو على أموالهم.

وأظن أن تركي الدخيل قد التحق بهذه الفئة.

 

من هنا كان السؤال يتكرر: أين أنت يا تركي؟

وكان تركي يكرر الإجابة — بغضب واضح:

"أنا موجود… أنا لم أختفِ… أنا في الساحة".


 

انتظار الإجابات الكبرى:

كثيرون لم يتحمسوا للحلقة فقط لمعرفة علاقة تركي بولي العهد السعودي، بل لمعرفة:

إلى أين تتجه العلاقة السعودية–الإماراتية؟

وإلى أين يذهب محمد بن سلمان نفسه؟

وهنا بعض الملاحظات.

عند إعلان الحلقة، ظننت في البداية أننا أمام رسالة إماراتية موجَّهة للسعودية، أو لبن سلمان تحديدًا، وأن تركي الدخيل قد شارك في ذلك.

لكن بعد المتابعة، خرجت باستنتاج مختلف.


 

هل كانت الحلقة منسَّقة؟

الواضح جدًا أن التنسيق مع تركي قبل الحلقة غير موجود إطاقًا أو لا يرقى لاعتباره مشارك في محاولة استفزاز محمد بن سلمان أو لإرسال رسائل مباشرة له.

تركي بدا:

غاضبًا من طريقة الأسئلة

غير مرتاح

يسهب بشكل مبالغ فيه في مواضيع جانبية (جزء كبير من الحلقة عن كلمة أعمى، وتأصيل واستدلال على جواز الكلمة)

متوترًا في ردات فعله

كل ذلك يدل على أنه جاء لتسجيل بودكاست، ظن أن المذيع سيحاول إحراجه، لا لتوجيه رسائل سياسية متفق عليها، ومن الواضح أنه لم يطّلع على الأسئلة مسبقًا.

الأسئلة نفسها لم تكن قوية جدًا، لكنها لم تخلُ من جرأة، وهي جرأة لا يمكن تصديق أنها جاءت بلا تنسيق عام، فالإمارات ليست بلدًا حرًا، ومن الصعب تصور أن الحلقة أُديرت دون إذن مسبق من السلطات، أو دون الموافقة على طرح فكرة السؤال عن الخلاف السعودي–الإماراتي.

من هنا، يبدو أن الإمارات أرادت إرسال رسالة ما إلى محمد بن سلمان عبر الحلقة، لكنني أكاد أجزم أن تركي الدخيل لم يكن طرفًا في هذا، خاصة من ناحية التخطيط، وهذا واضح من سياق إجاباته وطريقته.


 

توتر الضيف والمهارة الإعلامية، والموضوعات الثانوية:

تركي كان قاسيًا على المذيع، قاطعه عدة مرات، وكان التوتر واضحًا، خاصة في استخدام كلمة "يلز" في غير موضعها، وأكثر من مرة.

لم يكن يشعر أنه في بيته، أو في جلسة مريحة، كما كان مثلًا في حلقته مع المديفر على روتانا.

كان يظن أن هدف المذيع هو "يلزه".

ظل يكرر:

"أنا ما أعاني من شيء،

أنا ماني زعلان،

أنا ما أحاول أصير ضحية،

أنا ألوم نفسي،

أنا أعلّم نفسي،

أيضًا يصحح الأسئلة ويعترض عليها، حتى تفاصيل صغيرة مثل قوله "تم… كلمة زائدة".

وكان، في المقابل، يطرح هو نفسه أسئلة "لزّ" على المذيع.

وهذا يبدو أنه محاولة منه لاستخدام قدراته الإعلامية لنفي السؤال الاستفزازي في بداية الحلقة "أنت زعلان؟"

ولم يستطع تركي — رغم خبرته — أن يخفي الزعل، لكنه حاول تجاوزه عبر:

التفلسف العقلي

التأمل الديني

الإسهاب في مواضيع ثانوية

فأُهدِر جزء كبير من الحلقة في الحديث عن كلمة “العمى”، ليؤكد، بالدليل الديني والعقلي، أنها كلمة عادية، وأن تحاشيها لا معنى له.

كان غاضبًا جدًا في طرح هذا الموضوع، مهاجمًا من يختلفون معه، رغم صمت المذيع أو محاولاته البائسة للمقاطعة.

هذا التوتر غير طبيعي في الأوقات الطبيعية، ولكنه من الطبيعي في ظرف كهذا.

 

إيحاء غير ضروري:

ربما بسبب التوتر، عند شرح كلمة "كفيف"، أشار تركي إلى أن من عليه قضية فساد يُقال:

"كُفّت يده عن العمل".

هذا المثال والاستدلال غريب، إلا إذا كان — بقصد أو بغير قصد — يريد أن يقول إن ما قيل عنه لم يكن "كفّ يد بسبب فساد".


 

التحاشي الواضح لاسم محمد بن سلمان:

من أهم النقاط اللافتة تحاشي تركي الدخيل الواضح لذكر اسم محمد بن سلمان.

حاول القفز على الموضوع أكثر من مرة، وذكر الملك بدلًا من ولي العهد عدة مرات، متجنبًا إظهار أي دور مباشر لبن سلمان.

وفي مرة واحدة، عند ذكر سبب مغادرته للمنصب، ذكر ظروفًا شخصية، واضطر لاستخدام كلمة "المسؤول قدر هذه الفكرة"، ثم شعر أن التحاشي واضح جدًا، فتدارك وأضاف توضيحًا عن من يقصد "اللي هو سمو ولي العهد الله يحفظه"، تقريبًا هذه المرة الوحيدة التي جاء اسمه فيها، رغم قربه منه سابقًا، ورغم أن النهج السعودي الحالي هو حشر اسم بن سلمان في كل صغيرة وكبيرة، وتحاشي ذكر والده.


 

سؤال هام جدًا لم يُسأل… لكنه احضره بلا قصد

من أكثر اللحظات دلالة، أن تركي قفز بحماسة ليجيب عن سؤال لم يطرحه المذيع أصلًا، وربما لم يطرحه أي أحد لتركي في السنوات الأخيرة، لكنه كان سؤالًا موجَّهًا إليه منذ سنوات، وطرحه هو:

"ليش مطلوب مني أكون معارض؟"

تفاجأ المذيع، وتبرأ من السؤال، وقال بوضوح إنه لم يقصد ذلك.

طمأنه تركي طمأنه بأنه لا يقصده، لكن الواضح أن السؤال يرن في رأس تركي منذ زمن طويل.

وقد كان سؤالًا قديمًا يُطرح على كل إعلامي وعلى تركي في برنامج إضاءات، يعارضه تركي أو يحاول بسؤال المذيع:

"تقدر تقدم شيء يعترض مع أفكار حاكم دبي؟" وهذا يقودني إلى مفهوم المعارضة والموالاة. الموالاة لا تعني بالضرورة الامتناع المطلق عن النقد، حتى للحكومة التي تواليها، خاصة إذا كان المتحدث صحفيًا يدّعي الحرية، ويعمل في قناة تدّعي ذلك. نعم، نفهم طبيعة القمع في أنظمة الخليج، لكن تطبيع هذا الواقع، وتحويله إلى أصل، بحيث يُنظر إلى أي اعتراض أو طرح لا يرضي الحاكم — سواء في دبي أو السعودية — على أنه خطأ أو "مناكفة"، هو أمر خطير. حين تقول "ما ودك تعترض"، فهذا يعني أنك تسير فقط وفق المرسوم، وأن البرنامج محكوم تمامًا بما يريده المسؤول. وسأعود لمفهوم المعارضة، لكن قبلها الموالاة، فحتى الموالاة إذا لم تنتقد فيصبح الجميع قطيع، قطيع "ما وده يعترض… ليس فقط ما يقدر"، وهذه مصيبة.


 

متى تكون المعارضة واجبًا؟

الأساس — في رأيي — أن تكون معارضًا إذا تلقيت رسالة فيها تهديد تتعلق بحياة إنسان مثل جمال خاشقجي، وإن لم يكن ذلك صحيحًا، فيجب أن تكون معارضًا لقتل صحفي مثلك قتل من أجل أنه قال غير ما يريد الحاكم. أن توافق على القتل جريمة، وإن لم تستطع معارضته فلا تكرس أن الأصل الذهاب مع توجه الحاكم زيًا كان وكأن هذا الأصل، هذا الذي ترسخ له يتناقض مع ما قلت في الحلقة، أنك تحترم الليبرالية، وتقدّس الحرية الفردية، وتؤكد أن الإيمان نفسه لا يستقيم إلا بحرية الاختيار. فإذا كان المسؤول يقوم بالأخطاء أمامك سواء تعلقت بالقمع أو بالفساد و"سايرتها" فالموضوع لم يعد متعلقًا بقصة "لست معارضًا"، الموضوع أصبح أكبر بكثير.

ولكي لا يُفهم هذا بوصفه "مناكفة" أو "لزّ"، فليس مطلوبًا من الجميع أن يكونوا معارضين إن لم يستطيعوا، لكن الخطورة أن يتحول خطهم الإعلامي إلى ما يريده المسؤول فقط، بحجة "ما ودك تخالفه".

هذه الحالة:

مضرة بحرية الصحافة

مضرة بالليبرالية

مضرة بالحريات

مخالفة لتعاليم الدين

وخطيرة جدًا في خلق مجتمعات مدجّنة لا تريد — فضلًا عن أن تستطيع — أن تقول ما لا يرضي الحاكم

وكل ما عدا ذلك يُوصم بأنه مماحكة أو "لزّ" أو معارضة.


 

الخطاب الديني… والقاسم المشترك

من الملاحظ أيضًا حضور الخطاب الديني بقوة في حديث تركي الدخيل.

وهو ليس وحده في ذلك؛ فالأمر يتكرر مؤخرًا مع عبدالله بجاد العتيبي، وجزئيًا مع مشاري الذايدي.

القاسم المشترك بينهم:

صداقة قديمة — وربما مستمرة

تزامل في مركز المسبار

العمل في العربية

الإقامة أو الارتباط بأبوظبي

وصراع مشترك مع بعض الجماعات الإسلامية

وحضور الخطاب الديني بقوة بطريقة ربما تتعارض مع ما يقولونه في نقدهم لخصومهم يتطلب تأمل وتحليل، ربما يكون تركي، ومسبار هم الأقدر على تفسير ذلك.